فخر الدين الرازي
35
شرح الفخر الرازى على الاشارات
ونعلم أنها لم يختلف أوضاعها وحركاتها ومواضعها بالطبع الا وليست من طبيعة واحدة بل هي من طبائع شتى وان جميعها كونها بحسب القياس إلى الطبائع العنصرية طبيعة خامسة فيبقى لك أن تنظر هل يجوز أن يكون بعضها سببا قريبا بعض في الوجود أم أسبابها تلك الجواهر المفارقة ومن هاهنا توقع منا بيان ذلك ) التفسير الغرض من هذا الفصل بيان أن كل جسم كرى يستدير على نفسه فله شيء خاص هو مبدأ حركته المستديرة ثم إن الأجسام المستديرة قسمان أحدهما ما يكون محيطا بالأرض والآخر ما لا يكون محيطا بها أما المحيط بالأرض فقسمان أحدهما ما يكون مركزه مركز العالم وهي الأفلاك الممثلة والآخر ما لا يكون كذلك وهي الأفلاك التي مراكزها خارجة عن مركز العالم وأما الذي لا يكون محيطا بالأرض فقسمان أحدهما الكواكب وثانيهما الكرات المذكورة في ثخن الفلك المحيط بالأرض وتكون الكواكب مركوزة فيه وهي المسماة بافلاك التداوير ولما كان القول باثبات المبادى بحركاتها المستديرة فرعا على اثبات كونها متحركة على الاستدارة وكان من الناس من خالف فيه فزعم أن الأفلاك واقفة والكواكب تسبح فيها وتتحرك لاجرام احتاج إلى إقامة الدلالة على أن الفلك في نفسه متحرك فذكر في بيان ذلك وجهين أحدهما عام في جميع الكواكب وهو أن الفلك لو كان واقفا وتحركت الكواكب فيه يلزم انخراق الفلك وذلك محال ولقائل أن يقول الشرطية ممنوعة لاحتمال أن يكون في ثخن الفلك حلقة وطريحها مساو لقطر الكواكب ثم إن الكوكب يعتمد على تلك الحلقة ويحركها ويتحرك هو أيضا عند تحريكها على الاستدارة ويكون الفلك واقفا ثم إن تلك الحلقة لا تظهر في الفلك لكونها شفافة عديمة اللون ولئن وقعت المساعدة على الشرطية لكن لا نسلم امتناع التالي فانا قد بينا في النمط الثاني انه ليس لكم دلالة جيدة في امتناع الخرق على الأفلاك المكوكبة وثانيهما خاص بالقمر وعطارد وذلك لان الارصاد دلت على أن الفلك الحامل للقمر يتحرك في كل يوم أربعا وعشرين درجة وثلاثا وعشرين دقيقة إلى التوالي وان فلكه المائل يتحرك كل يوم حدى عشر درجة وتسع دقائق إلى التوالي وفلكه الجوزهر يتحرك ثلاث دقائق إلى خلاف التوالي فلا جرم يبقى وسط القمر كل يوم ما يبقى من حركة فلكه الخارج المركز بعد صرف حركة فلكه المائل وفلكه الممثل وهذا انما يمكن لو كان القمر متحركا بحركة فلكه لاستحالة أن يتحرك الجسم الواحد بالذات إلى جهتين مختلفتين فلما رأينا له حركة إلى التوالي وأخرى إلى غير التوالي علمنا أن تلك الحركة ليست لها بذاتها بل بسبب حركة فلكها وكذا القول في فلك عطارد على ما هو مشروح في الهيئة وهذا هو المراد من قوله ويزيدك تبصرة انك إذا تأملت حال القمر في حركته المضاعفة واوجيه وحال عطارد في أوجيه يعنى بالحركة المضاعفة للقمر ما ذكرناه من حركتيه اللتين إحداهما على التوالي والأخرى إلى غير التوالي وانما سميت هذه الحركة مضاعفة لعلة مشهورة في الهيئة وأما قوله وانه لو كان هناك انخراق يوجبه جريان الكواكب أو جريان فلك تدويره لم يعرض ذلك كذلك فمعناه أنه لو كان المتحرك هو الكوكب أو فلك التدوير لما كان الامر كذلك لاستحالة أن يتحرك الجسم الواحد دفعة واحدة حركتين إلى جهتين مختلفتين بالذات ولقائل أن يقول هذه الدلالة لا نستقيم الا إذا صح أن يتحرك الجسم الواحد دفعة واحدة حركتين إحداهما بالذات والأخرى بالعرض لكن في ذلك بحث وهو أن الشيء عند حركته العرضية اما أن يكون قد انتقل إلى تلك الجهة أو لم ينتقل